المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية National Center For Mental Health Promotion
مرئى
القائمة الرئيسية

تأثير المساعدة والإيثار في الصحة النفسية

تأثير المساعدة والإيثار في الصحة النفسية

 

كثيرًا ما يبحث الإنسان عن معنًى أعمق لوجوده وشعور دائم بالرضا والسعادة. من منظور علم النفس، هذه الحاجة ليست ترفًا فكريًّا، بل هي من مقومات الصحة النفسية. الشعور بأن لحياتنا غاية، وأن لنا دورًا في حياة الآخرين، هو من أبرز العوامل التي تحمي النفس من القلق والاكتئاب وتعزز الإحساس بالرضا العام. وهنا يأتي فعل الخير والمساعدة وسيلةً فعّالة لتحقيق هذا الهدف؛ فالعطاء ليس مجرد سلوك اجتماعي محمود، بل هو امتداد لحاجة نفسية داخلية تعكس توق الإنسان إلى الترابط، والانتماء، والشعور بالقيمة.

من هذا المنطلق، تشير عديد من الدراسات في علم النفس الإيجابي إلى أن مساعدة الآخرين تعزز تقدير الذات، وتقوي الشعور بالانتماء، وتخفف مشاعر العزلة. كما ترتبط هذه الأفعال بما يُعرف بـ"تجاوز الذات"، أي تحويل التركيز من الانشغال الذاتي نحو العطاء للآخرين، وهو ما يؤدي إلى تحسين المزاج وتغذية الشعور بالهدف والمعنى في الحياة.

لماذا نشعر بتحسن عندما نمدّ يد العون؟

قد يبدو ذلك عملًا يسيرًا (كأن تبتسم لغريب أو تساعد محتاجًا في الطريق) لكنه يترك أثرًا حقيقيًّا في النفس؛ السرّ في ذلك يعود إلى التفاعلات الكيميائية في الدماغ، إذ يُفرِز الدماغ عند تقديم المساعدة عددًا من الهرمونات المرتبطة بشعور الراحة والسعادة، مثل الدوبامين، والأندورفين، والأوكسيتوسين.

الأوكسيتوسين -هرمون الترابط- له دور محوري في بناء الثقة وتعزيز الإحساس بالانتماء. إفرازه عند التفاعل الإيجابي مع الآخرين يقلل من مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر)، ما يفسر الراحة النفسية التي نشعر بها بعد القيام بفعل طيب للآخر. هذه التفاعلات لا تخلق فقط شعورًا لحظيًّا بالدفء، بل تعزز الروابط الاجتماعية وتقوي الجهاز المناعي وتحسن المزاج على المدى الطويل.

هذا ما تؤكده دراسات حديثة، منها دراسة نشرها Nichol وزملاؤه(2023) ، أظهرت أن الأشخاص الذين يشاركون في أنشطة تطوعية يشعرون بتحسن ملحوظ في حالتهم النفسية والجسدية، وانخفاض في معدلات الاكتئاب والتوتر. كما دعمت هذه النتائج مراجعة منهجية أجراهاJenkinson  وآخرون (2013)، فقد وُجد أن المتطوعين يتمتعون بصحة أفضل ومعدلات بقاء أعلى من غيرهم.

الإيثار: أن تفعل الخير دون انتظار مقابل

في أعلى درجاته، يظهر فعل الخير في صورة الإيثار؛ أن تساعد بدافع داخلي خالص دون توقّع شكر أو مردود. هذا النوع من العطاء لا يمنح فقط لحظة من السعادة المؤقتة، بل يرسّخ شعور الإنسان بأنه جزء من شيء أوسع، ويغذّي الإحساس بالمعنى الشخصي والروحي.

وتشير الأبحاث إلى أن الإيثار لا ينعكس فقط على الرفاه النفسي، بل يمتد ليشمل الصحة الجسدية. فالأشخاص الذين يمارسون العطاء بإيثار لديهم مستويات التوتر أقل، ويتمتعون بمناعة أقوى ضد بعض الأمراض المرتبطة بالإجهاد، مما يدل على أن هذا السلوك يغذي توازن الجسم والعقل معًا.

فعل الخير يخلق روابط ويعزز شعورنا بالانتماء

نجد أنفسنا اليوم متصلين رقميًّا، لكنْ منفصلين إنسانيًّا، هذا ما قد يجعل الانسان يشعر بالوحدة برغم ازدحام من حوله. لكن فعل الخير ولو بأقل صوَره يمكن أن يعيد إليه هذا الاتصال المفقود. عندما نساعد الآخرين، نشعر بأن لنا مكانًا في حياتهم، وأن وجودنا يصنع فرقًا.

ومن المهم الإشارة إلى أن العطاء لا يعني القيام بذلك على حساب  النفس أو تجاوز الحدود الشخصية. فالتوازن بين الرعاية الذاتية ومساعدة الآخرين ضروري. وقد أوضحت دراسةNichol (2023)  أن التأثيرات الإيجابية للمساعدة تكون أكثر وضوحًا عندما تُمارَس برغبة حقيقية لا بدافع الإلزام، مما يبرز أهمية الحفاظ على الذات عند العطاء.

كيف نمارس العطاء في حياتنا اليومية؟

ليس من الضروري أن تكون ثريًّا أو متفرغًا لتُحدث فرقًا. العطاء الحقيقي يبدأ من التفاصيل الصغيرة:

-   التطوع بساعة واحدة أسبوعيًّا في نشاط مجتمعي.

-   مشاركة معلومة مفيدة مع زميل.

-   تقديم كلمة طيبة أو دعم لصديق يمر بوقت عصيب.

-  الإصغاء بإخلاص لمن يحتاج إلى من يستمع له.

كل هذه الأفعال الصغيرة تحمل تأثيرًا كبيرًا، ليس فقط لمن يتلقاها، بل لمن يقدمها أيضًا.

خاتمة

فعل الخير ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو حاجة نفسية وروحية في آنٍ واحد. الإيثار والمساعدة يمدّاننا بإحساس عميق بالهدف والمعنى، ويغذّيان توازننا النفسي والجسدي. في المرة القادمة التي تجد فيها فرصة لتمد يد العون، تذكّر أن الخير الذي تمنحه لا يعود بالنفع على الآخر فقط، بل هو هدية ثمينة تقدمها لنفسك أيضًا.

 

مصدر1 مصدر2